Photogallery

الشيخ عبد القادر قباني - من مجلة كفاح العربي

E-mail Print PDF

من مجلة كفاح العربي

السيد عبد القادر قباني (1848 – 1935 م)

منشئ "ثمرات الفنون" وأول رئيس لجمعية "المقاصد"

هو صاحب جريدة "ثمرات الفنون" اولى الجرائد الاسلامية في بيروت، والجريدة الثانية في السلطنة العثمانية بعد "الجوائب".

ولد في بيروت من اسرة قديمة معروفة، ترجع بنسبها الى الامام زين العابدين احد احفاد الامام الحسين ابن امير المؤمنين علي بن ابي طالب، حسبما ورد في كتاب "الانساب".

 

والده مصطفى بن عبد الغني القبّاني كان قائداً لعساكر عبد الله باشا والي عكا. وعندما سقطت هذه المدينة في 27 أيار 1832 بيد ابراهيم باشا وقع مصطفى أسيرا لديه فاقتاده الى الديار المصرية للأعتناء به ومعالجته. ولمّا شُفي من جراحة ترك مصر متنكراً الى الاستانة فأكرمت وفادته. ولما عرف إبراهيم باشا بفراره ولجوئه الى عاصمة السلطنة غضب عليه واستاء منه، وكانت نتيجة غضبه واستيائه ان ابعد عائلته الى جزيرة قبرص حيث بقيت فيها الى ما بعد خروج ابراهيم باشا من سوريا. وحينئذٍ تسنّى للسيد مصطفى العودة الى بيروت والتمركز فيها بصورة نهائية.

اصل العائلة والمولد:

وتجدر الاشارة الى ان عائلة القبّاني هذه غير عائلة القبّاني الدمشقية التي غلب عليها لقب المهنة والتي انجبت الشاعر والرائد المسرحي ابا خليل القبّاني. اما اصل عائلة القبّاني البيروتية كما يقول الكونت فيليب دي طرازي في كتابه تاريخ "الصحافة العربية"، فمن الحجاز ثم انتقلت الى جهات العراق فأقام أجداده فيها وفي عهد الحروب الصليبية أقبل بعضهم الى سوريا وانضموا الى جيوش السلطان صلاح الدين الايوبي لمحاربة الاعداء. فسكنوا اولا في مدينة جبيل بلبنان ثم تحولوا الى بيروت.

في جمعية الفنون:

وفي عام 1290 هجرية (1873 ميلادية) تألفت في بيروت جمعية الفنون برئاسة الحاج سعد الدين حماده، وكان الشيخ عبد القادر عضواً فيها. وكان هدف الجمعية خدمة الفقراء ونشر المعارف. ولأجل هذا الغرض انشأت الجمعية شركة مساهمة لتأسيس مطبعة ونشر جريدة باسم "ثمرات الفنون" على ان يكون امتيازها باسم الشيخ عبد القادر القبّاني. تسلّم الشيخ ادارة المطبعة والجريدة المذكورتين وتم صدور العدد الاول من "ثمرات الفنون" في 20 نيسان 1875.

جريدة المسلمين:

وعلى أثر انحلال "جمعية الفنون" إحتفظ الشيخ عبد القادر بالجريدة والمطبعة وتابع اصدار الجريدة بمعاونة نخبة من حملة الاقلام من امثال الشيخ يوسف الاسير والشيخ ابراهيم الأحدب، واسماعيل ذهني (محاسب متصرفية جبل لبنان) وسامي قصيري، وعوني اسحق (شقيق اديب اسحق) وسليم عباس الشلفون، واسكندر فرج الله طراد، والشيخ احمد حسن طباره، والحاج محمد محمود الحبّال وكثير غيرهم ممن كانوا يقدّرون الخطة الوطنية التي سارت عليها جريدة "ثمرات الفنون" وما كان يتمتع بها صاحبها كم مكانة سامية، وبصورة خاصة لدى المسلمين الذين كانوا يعتبرونها لسان حالهم الصادق ومرآتهم الصافية بما تنشره من اخبار من جميع البلدان الاسلامية والاجنبية.

صدرت ثمرات الفنون أول ما صدرت باربع صفحات من الحجم الصغير ولما وجدت الاقبال الكثيف عليها كبّرت حجمها فصارت اعمدتها 16 بدلاً من 12 فقط ولما احتفل بعيدها الفضي في 12 ايار 1899، راحت تصدر بثماني صفحات بدلا من أربع ومجموع أعمدتها 32 عمودا بدلا من 24 عمودا. واستمرت بهذا الحجم وبخطتها الوطنية المعروفة الى ان ودعت عالم الصحافة يوم الاثنين الواقع في 2 تشرين 1908 بعدما بلغت العام الرابع والثلاثين لعهد نشأتها. وكان عبد القادر آنذاك قد اطلق كلمته المأثورة عقب اعلان الدستور 1908 والذي منح الحرية لأصدار الصحف لمن يشاء بقوله: "ان مسؤولية اصحاب الجرائد في زمن الدستور اعظم منها في دور الاستبداد وكذلك يلزم ان يقوم بتحرير كل جريدة نخبة من الكتاب من جميع العناصر للمحافظة على تأليف وحدة عثمانية من عناصر الوكن فتعتزّ الجامعة العثمانية بهذه الوحدة. ولا أقدر من الجرائد لتحقيق هذه الامنية التي هي روح الدستور اذا اتفق كتابها على التفاهم والتحاب، ونبذ كل ما يدعو الى سوء التفاهم".

لماذا أوقفت الجريدة:

هذا الكلام الذي قاله الشيخ عبد القادر القبّاني بعد اربع وثلاثين سنة على إصدار ثمرات الفنون، واجتيازها ادق المراحل واصعبها، يطرح سؤالين اثنين:

الاول: لماذا اوقف الشيخ عبد القادر "الثمرات" في العام الذي اعلن فيه الدستور، وهو الحريص على روح هذا الدستور؟ وأحد الداعين اليه؟

هل هي مشاغله الكثيرة في جمعية المقاصد الخيرية الاسلامية في بيروت وقد اصبح رئيساً لها؟ ام إشرافه على بنيان المدرسة السلطانية، المعروفة الى آلان بكلية البنات؟

ام انها الوشاية التي بعث بها حسّاده الى الحكومة الرئيسة في الاستانة ناسبين اليه والى الجمعية التي يرئسها والى الوالي مدحت باشا الذي كان واليا على سورية (قبل تشكيل ولاية بيروت) السعي لاستقلال البلاد العربية؟ فاصدرت حكومة الاستانة امرها بالغاء الجمعية وابدال اسمها باسم شعبة المعارف تحت رئاسة القاضي الشرعي السيد عبد الله جمال الذي اصبح فيما بعد قاضي الديار المصرية، ومن ثم تبدلت احوال شعبة المعارف وتفرق اعضاؤها دون ان تقوم بأي إنجاز او مهمة!؟ أم ان هناك اسباباً ووشايات أخرى؟..

والسؤال الثاني: كيف تعاطى عبد القادر القبّاني مع زبانية السلطان عبد الحميد الثاني، وكيف انقذ "ثمرات الفنون" من براثن المكتوبجي؟ مع العلم ان "ثمرات الفنون" صدرت قبل عام من صدور الدستور لاول مرة في تشرين اول عام 1876، وهو الدستور الذي قام باعداده مدحت باشا الصدر الاعظم آنذاك بمساعدة الصحافي اللبناني خليل غانم؟

قصة الدستور:

عندما اعتلى العرش السلطان عبد الحميد الثاني، كان الشعب مهتاجا لمقتل السلطان عبد العزيز ولنفي السلطان مراد الخامس من جهة.

ومن جهة ثانية كان مهتاجا من الحرب الشرقية التي كانت تهدد بانفجار على اثر الفتنة العامة في مقاطعة البوسنة والهرسك والبلغار والصرب. ازاء هذا الواقع المتردي في البلاد العثمانية حاول السلطان عبد الحميد ان يكسب لنفسه شعبية، فانعم على رعاياه بالدستور المشهور والذي يعترف في المادة الثانية عشرة منه بالحرية الصحافية. هذا ولم يترك السلطان فرصة إلا وعبّر عن حبه للحريات الدستورية لشعبه وخصوصا الحرية الصحافية. فقد لمح في خطاب العرش الاول والثاني بمناسبة افتتاح الدورة الاولى والثانية للبرلمان في العام 1877، انه يصرّ على وضع لائحة جديدة للقوانين تختص بالصحافة وتعني بتنظيمها.

حرية نسبية:

في هذا المناخ من الحرية النسبية راحت "ثمرات الفنون" وزميلات لها مثل "الجوائب" و"الجنات" و"الجنة" و"البشير" و"التقدم" تنتقد اعمال الحكومة ومأموريها، حتى انها لم تشفق على السلطان نفسه. كما راحت تنشر، بلا ادنى خوف المقالات الضافية عن مواقع الخلل في تركيا، بل انها كتبت بصراحة عن مقتل الوزراء، وذكرت خلع السلطانين عبد العزيز ومراد الخامس، واذاعت خبر انتصار الروس عام 1877 على العساكر العثمانية.

مرونة سياسية:

والى جانب ذلك فقد كتبت مقالات شديدة اللهجة عن مساوئ الحكم في الدولة العثمانية، وعن الولاة، مما جعل الحكومة تفرض ضريبة قدرها (بارة) واحدة على كل مقالة سياسية. وعلى الرغم من سياسة فرض الضرائب واتباع اساليب الضغط استمرت "الثمرات" في الصدور، بفضل المرونة السياسية التي كان يتمتع بها صاحبها الشيخ عبد القادر القبّاني. فهو من جهة يهاجم الارهاب والفوضى داعياً الى تحسين أوضاع الحكم، ومن جهة ثانية يدافع عن عرش الخليفة وينادي للألتفاف حول أمير المؤمنين وطاعته.

ولكن يبدو ان السلطان لم يكن جادا بما كان يقول ويعد به بل قرر الغاء جميع الحريات وجميع الحقوق التي كان قد اعترف بها للولايات التابعة في الدولة العثمانية بصورة عامة، وللولايات السورية بصورة خاصة. وبعث الى الصدر الاعظم (وكان مدحت باشا انذاك) يقترح فيها عليه: أن يمنع الصحافة من تجاوز الحريات التي تدّعى انها حصلت عليها عن طريق الدستور، والتي تنشر بصورة مستمرة مواد من كل نوع وبالاخص المواد الخطرة.

كلمات خطرة:

و"المواد الخطرة" التي عناها ليست المقالات والاخبار التي هي ممنوعة فقط بل هناك لائحة طويلة بكلمات لا يجوز استعمالها على الاطلاق منها: "الأحزاب"، "المحاولة والتربص"، "الثورة"، "الفوضى"، "الاشتراكية"، الديناميت"، "الانفجار" "الفتنة" كما ان لا يجوز استعمال كلمات: "الخلع" "الجنون" "مراد الخامس" "العزل" الدستور "الحرية" "الوطن" "المساواة" وايضا لا يجوز الكلام على الانف الكبير لأن السلطان عبد الحميد الثاني له انف كبير ولا عن "النجوم" لأن ذلك يشير الى قصر يلدز الذي معناه "النجم".

لا سياسة ولا جدل ديني:

لقد ابتعدت "ثمرات الفنون" قدر المستطاع عن الخوض في الشأن السياسي، واتجهت نحو تشجيع الأعمال العمرانية الاجتماعية مثل فتح الاكتتاب على صفحاتها لمشروع مد خط السكة الحديد بين دمشق والحجاز المقدس لتسهيل الحجّ الى بيت الله الحرام وزيارة الروضة الشريفة مقام الرسول ومثل الدعوة للأخذ بالعلم وارتياد معاهد التدريس العالي واقتباس الفنون المصرية، ومماشاة المدينة الحديثة مع الاحتفاظ بالعادات والتقاليد الوطنية والاسلامية.

وقدر المستطاع ابتعدت عن المجادلات الصحافية وعلى الأخص مع "الجوائب" لكثرة ما عُرف عنها من استخدام العبارات السفيهة. كما ابتعدت عن المجادلات الدينية مع "البشير" حتى لا تقوم فتنة بين المسيحيين والمسلمين وتتكرّر أحداث عام 1860.

ودار أهم جدل بين الصحيفتين حول مسألة "النخاسة" التي قررت دول اوروبا إلغاءها من شمال إفريقيا وما وراءها من الصحراء على يد الكردينال "لا فيجرى" فاستحسنت "ثمرات الفنون" هذا الرأي ولكنها خشيت ان يكون القصد منه تنصير القبائل الاسلامية في تلم الأصقاع وبسط الحماية الاوروبية عليها. فذهبت "البشير" غير هذا المذهب بحجّة ان عمل الكردينال "لا فيجرى" هو محض خدمة إنسانية وان لا علاقة لذلك بالدين والسياسة".

توقف الشيخ عبد القادر القبّاني عن العمل في الصحافة في عام 1908 مفسحاً في المجال امام احد المحررين الذين تتلمذوا علي يديه في "الثمرات" هو الشيخ احمد حسن طبارة لينشىء خلال اسابيع جريدته "الاتحاد العثماني".

مناصبه:

في هذه الفترة الدقيقة من حياة "ثمرات الفنون" كان صاحبها الشيخ عبد القادر القبّاني يعمل في حقول اخرى ويحتل مناصب رفيعة خفّفت بعض الضغوط عن الجريدة و "أمّنت لها الاستمرار المادي، فعدا كونه رئيساً لجمعية المقاصد الخيرية التي كان من مؤسسيها واهتمامه بانشاء المدارس الابتدائية للذكور والاناث، انتخب عام 1880 عضوا لمجلس ادارة لدى اهالي بيروت والحكومة.

..ووسام ألماني:

وفي اثناء رئاسته للبلدية زار غليوم الثاني، أمبرطور ألمانيا بيروت فجرى له استقبال حافل مما اطلق لسان الامبراطور بتسمية بيروت (درة في التاج العثماني) كما ابرق الى السلطان عبد الحميد شاكراً ما القى من حفاوة وتكريم بعدما أهدى للشيخ عبد القادر وساما ألمانيا رفيعا تقديراً له.

وبعدما أتمّ المدة القانونية في رئاسة البلدية، أصدر السلطان أمرا بإسناد مديرية معارف بيروت اليه بالنظر الى خدماته في تشييد المدارس، فعمل على تحسين أوضاعها وحشد نخبة من الاساتذة والمعلمين فيها.

وفي أيام والي بيروت خليل باشا، عين عبد القادر عضوا في اللجنة الخاصة التي تألفت لجمع التبرّعات، ىنشاء مكتب (الصنائع) ولما كمل إنشاؤه افتتح باحتفال رسمي سنة 1906 باسم (حميدية تجارت وصنائع مكتبي) وبعدما بقى في هذا المنصب ما يزيد على الست سنوات ترك الوظيفة في آب سنة 1908 بناء لأمر وزارة المعارف في الحكومة الاتحادية دون بيان السبب... ولكن الوزارة الاتحادية أصدرت قرارا بجواز استخدامه واعطائه الراتب توافقا مع قانون التنسيق الذي نشر في زمن الحكومة المذكورة مما عُدّ ترضية له عما صدر بحقه من الأمر السابق لمجرّد وشاية!..

لعل هذا هو السبب الرئيسي الذي حمل الشيخ عبد القادر على قفل "ثمرات الفنون" والانصراف الى إنشاء شركة مع بعض المواطنين من اهالي بيروت ودمشق. وبموجب ترخيص رسمي تهدف الى استخدام البترول. وبدأ بالحفر والتنقيب بجوار خط سكة حديد الحجاز، تحت اشراف المهندس الالماني شوماخر. وكانت الدلائل تبشّر بالوصول الى المأمول بعدما استقدمت الشركة الآلات والمعدات اللازمة. وكانت أتربة البئر الأولى مشبعة بزيت النفط، إلا ان نشوب الحرب العالمية الاولى 1914 ـ 1918 واحتلال الحلفاء للبلاد وما عقبها من حوادث قضى على هذا المشروع الذي كان في الاساس هدفا للمعارضة، لأسباب سياسية واقتصادية لم تكن تخفى على أحد.

وبعد الاحتلال الفرنسي للبنان انتدبته الحكومة لتولي مديرية الاوقاف الاسلامية في بيروت فعنى بها عناية خاصة، فأصلح عقارات الوقف الخيرية واقام عقارات جديدة لها فازدادت وارداتها زيادة كبيرة! وبسعيه وجهده أعتبرت المدافن الاسلامية في بيروت: الباشورة والسمطية، والخارجي والغرباء من املاك جمعية المقاصد الخيرية الاسلامية. وقد ترك هذا المنصب بعدما تولاه ما يقرب الخمس سنوات، فقد الغت المفوضية الفرنسية هذا المنصب، واستحدثت بدلا منه ادارة مختصرة جداً حباً بالتوفير.

توفي الشيخ عبد القادر القبّاني في بيروت في آب (اغسطس) 1935.