Photogallery

من مجلة الرسالة الاسلامية

E-mail Print PDF

من مجلة الرسالة الاسلامية

كان الشيخ عبد القادر القباني من الشخصيات الكبيرة في تاريخ مسلمي بيروت، فقد أدى في حياته الطويلة التي تجاوزت التسعين (1848 ـ 1935) خدمات جلى لمدينة بيروت، وللمسلمين جميعاً. ومن المؤسف ان الكثيرين من مسلمي بيروت اليوم ـ ومنهم ال القبّاني أنفسهم ـ لا يدرون من أخبار هذا الرجل وأعماله الا النذر اليسير.

 

أسرة القباني من أقدم الاسر الاسلامية في بيروت. ينتهي نسبها، على ما ذكر النسابون، الى الامام الحسين عليه السلام. فهم حسينيون. وأصلهم من الحجاز. انتقل أحد أجدادهم الى العراق، زمنها رحل بعض ذريته الى الشام منذ زمن بعيد. وكان أول سكناهم في مدينة "جبيل"، ثم تحولوا عنها الى بيروت. وغلب عليهم اسم "القباني" في أيام الاتراك لاشتغال أحد أجدادهم بما كان يسمى "مال القبان".

كان والد السيد عبد القادر ـ وهو الحاج مصطفى آغا ـ فائدا لعسكر عبد الله باشا والي عكا. وكان مشهوراً بشجاعته وأمانته واخلاصه. فلما هاجم ابراهيم باشا عكا،  أبلى مصطفى آغا في الدفاع عنها بلاء أدهش ابراهيم باشا. وانتهى حصار عكا بسقوطها في 27 أيار سنة 1832، بعد أن جرح الآغا وأسر. فأرسله ابراهيم باشا الى أبيه في القاهرة، واخبره بدفاعه المجيد. فأراد محمد علي أن يصطنعه لنفسه، فعرض عليه أن يبقى عنده، ويخدمه بالاخلاص الذي أخلصه لعبد الله باشا، فيجعله أمير لواء. لكن هذا القائد الشريف لم يغره المنصب الكبير الذي عرض عليه، وأبى أن يعمل لوال خارج على الخليفة. واستمهله مدة دبر فيها أمر فراره من مصر، ففر متنكراً، يقذغ به بلد الى بلد، حتى انتهى به الامر الى الاستانة، بعد مصاعب ومتاعب. فتلقاه رجال الدولة بالتقدير والاكرام، وجعلوا له راتبا يعتاش به ويكفيه.

وبلغ ابراهيم باشا خبره، فثار غضبه وقامت قيامته، فأمر بنفي أسرته الى قبرص، دون ذنب جنته. فأقامت فيها قرابة عشر سنوات، حتى خرج الباشا المصري من بلاد الشام مدحورا. فعادت عندئذ الى بيروت، وعاد السيد مصطفى أيضاً. وفي بيروت، ولد  له سنة 1848 السيد عبد القادر.

اتصل السيد عبد القادر عندما أيفع بعلماء بيروت الكبار، كالشيخ محيي الدين اليافي، والشيخ ابراهيم الاحدب، والشيخ عبد القادر الخليلي، وتلقى عنهم العلوم الاسلامية. وكان يتوقد همة ونشاطا وذكاء. وقد عرف في شبابه باندفاعه للعمال الخيرية والاسهام فيها. هذا مع دين متين وتمسك بالاسلام. فلما ألف الحاج سعد بن عبد الفتاح حمادة "جمعية الفنون" لخدمة الفقراء المسلمين البيروتيين وتعليمهم، انضم السيد عبد القادر اليها. وكان له نشاط بارز في أعمالها.

أول صحيفة اسلامية في لبنان:

رات هذه الجمعية انه لا بد للمسلمين في بيروت من صحيفة تكون لسان حالهم، تكون سياسية علمية أديبة. فعهدت الى السيد عبد القادر أن يطلب امتيازا للجريدة باسمه، وسمتها "ثمرات الفنون". واشترت مطبعة لتطبع فيها. ثم فوضت السيد عبد القادر أن يكون مديرا ورئيسا للتحرير. فصدرت عام 1875. وكانت اول جريدة اسلامية تصدر في بيروت، وثاني جريدة تصدر في السلطنة، بعد "الجوائب" التي كان يحررها أحمد فارس الشدياق، وصدرت في الاستانة سنة 1860م. .

راى أعضاء الجمعية أنه لا بد أن يوفر للصحيفة المال الوافر ليضمن بقاءها وقوتها. فجعلوها، أول الامر، شركة مساهمة تتألف من أثنى عشر سهما، قيمة كل سهم ألفان وخمسمائة غرش. فكانت اول جريدة مساهمة صدرت في العالم العربي.

ويبدو ان ما ينسب الى أهل بيروت من اختلاف الاهواء، وحب الانانية والتحاسد، وعدم الاعتراف بفضل العاملين له نصيب من الصحة. فأن جمعية الفنون لم يطل عمرها. ويوضح الفيكونت طرازي السبب فيقول: "الحلول روح الحسد في بعض النفوس واندفاعها الى معاكسة الجمعية". فما كاد رئيسها الحاج سعد حمادة يتوفى، حتى انفرط عقدها. فانتقلت الجريدة ومطبعتها الى صاحب الامتياز السيد عبد القادر.

وسرعان ما أصبحت "ثمرات الفنون" ملتقى لاقلام كبار العلماء والكتاب. فكان يحرر فيها الشيخ ابراهيم الاحدب، والشيخ يوسف الاسير، والشيخ أحمد حسن طبارة، وشارك في التحرير من ــاء النصارى يومئذ اسكندر طراد، أديب اسحاق، وسليم الشلفون، وغيرهم.

كان القباني يهدف في صحيفته الى امرين واضحين:

الاول: خدمة مصالح الامة الاسلامية عامة، وتوعيتها، وتنويرها، ومساعدة المسلمين اينما كانوا. نلاحظ هذا من الموضوعات التي كانت تكتب فيها، ومن الاكتتابات التي كانت تجريها لمساعدة المنكوبين، او للاسهام في المشروعات الاسلامية الكبيرة. فعندما غرقت الباخرة العثمانية "ارطغرل"، في مياه اليابان، سارع القباني الى فتح اكتتاب لمساعدة عائلات الغرقى، لانهم مسلمون. وعندما قام مشروع مد السكة الحديدية بين دمشق والمدينة المنورة، كان القباني من أعظم أنصاره، لانه يساعد على وحدة المسلمين، ويقرب المسافات بين المدن الاسلامية، فافتتح اكتتابا لجمع التبرعات، ودعا الى ذلك، فكانت الاموال المجموعة كثيرة.

الثاني: الدعوة الى الجامعة العثمانية. فبعد ان اجتمعت الدول الاوروبية على تجزيء الامبراطورية العثمانية، بأساليب مختلفة، وأخذت تستولي على أطرافها في شمال أفريقية، وتشجع الخروج عليها، وتدبر المكائد لها، قامت ردة فعل لجمع شمل المسلمين في كل مكان، تحت راية الخليفة، رمز الاسلام، بصرف النظر عن قومياتهم، بأعتبار ان الاسلام الغى القوميات وحاربها. فلا قومية ولا عصبية، في الاسلام. وانما المعول عليه هو الاخاء الاسلامي. والمسلمون جميعا اخوة. وهم جميعا أمة واحدة.

وقد كان لصحيفة "ثمرات الفنون" مناظرات ومجادلات وردود مختلفة، مع جريدة "البشير". وعندما كتبت "الاهرام" مقالا شديدا عنيفا تنتقد فيه سياسة الخلافة، وينشر أخبار الحرب الروسية ـ التركية، هب القباني يرد على أصحاب الاهرام ويهاجم مقاصدهم، فاعتذرت الاهرام انها انما أرادت نشر هذه الاخبار لان عندهم في مصر حرية، ولانها أرادت أن تحقق سبقا صحفياً.

ثقة المسلمين بالصحيفة كانت عظيمة:

ولا شك ان "ثمرات الفنون" خدمت مسلمي لبنان، وخدمت الخلافة العثمانية أيضا. يقول الاب لويس شيخو: وقد آنشئت سنة 1874 (كذا) جريدة "ثمرات الفنون" لصاحبها عبد القادر القباني، فخدمت مصالح الملة الاسلامية بلا ملل الى أيام الدستور".

ويقول الفيكونت طرازي: "وكان للمسلمين ثقة عظيمة بهذه الصحيفة، التي بقيت لسان حالهم مدة طويلة، لا سيما بعد احتجاب "الجوائب" في الاستانة. فكانوا يطالعونها من جميع الجهات، لانها كانت تنشر اخبارهم وحوادث ممالكهم، واحوال شعوبهم، في مشارق الارض ومغاربها، وتدعوهم لطاعة الخليفة والالتفتا حوله...).

وعندما بلغت "ثمرات الفنون" الخامسة والعشرين من عمرها في سنة 1899 جرى احتفال كبير لها، تقديرا لخدمات صاحبها، وصدرت الصحف جميعا تشيد بها وتثني عليها. يقول طرازي: "وعدت ذلك حدثا اتريخيا للصحافة العربية".

وتعتبر "ثمرات الفنون" في رأينا سجلا تاريخيا مهما لمسلمي بيروت، ولجميع الشؤون الاسلامية المتصلة بالاخلافة العثمانية، طوال الفترة التي صدرت فيها. وقد جهل أمرها معظم الذين كتبوا عن نهايات الخلافة العثمانية، ونشوء القومية العربية، ولم يرجعوا اليها.

وعمرت " قمرات الفنون" أربعا وثلاثين سنة، حتى توقفت في 2 تشرين الثاني سنة 1908.

وحتى بعد صدور الدستور، ظل القباني مخلصا لدعوته الى الوحدة الشاملة بين أبناء المملكة. وقد كتب يقول : "ان مسؤولية اصحاب الجرائد في زمن الدستور أعظم منها في دور الاستبداد. ولذلك يلزم ان يقوم بتحرير كل جريدة نخبة من الكتاب من جميع العناصر، للمحافظة على تأليف وحدة عثمانية من عناصر الوطن...".

ولكن القباني، كان يطلب يومئذ المحال. فقد جاء الاتحاديون يفرقون الامة الى أمم كثيرة، ويدفعونها، بدعوتهم الى التتريك وبغض الاسلام والعرب، الى الانسلاخ عن الامبراطورية. فما أفلح من الجميع أحد. واضطر القباني الى ايقاف صحيفته.

القباني: مؤسس جمعية المقاصد الخيرية الاسلامية

لم يقف نشاط القباني على صحيفة "ثمرات الفنون"، بل كان له الى جانبها اسهام في اعمال بناءة أخرى. رأى ان مسلمي بيروت يحتاجون الى مدارس تعلم أبناءهم، فدعا سنة 1878 الى تأليف جمعية سميت "جمعية المقاصد الخيرية الاسلامية"، فتألفت في غرة شعبان من ذلك العام وعين رئيسا لها. فبدأت بتأسيس مدارس ابتدائية للذكور والاناث. وأقبل عليها المسلمون اقبالا عظيما. يقول طرازي: "الا ان روح الحسد حمل البعض على الوشاية بها.. فألغتها الحكومة" الى حين.

وتنقل القباني بين وظائف عديدة. فكان عضواً في مجلس ادارة ولاية بيروت (1880)، ثم عضواً في محكمة الاستئناف (1888)، وفي عام 1898 انتخبه أهالي بيروت رئيسا للمجلس البلدي. فأجرى في المدينة اصلاحات كثيرة.

وفي السنة التي أصبح فيها رئيسا للمجلس البلدي، زار الامبراطور غليوم الثاني بيروت ترافقه زوجته الامبراطورة. ويذكر صاحب كتاب "الرحلة الامبراطورية في الممالك العثمانية" ان القباني كان أحد أعضاء لجنة الاستقبال التي استقبلت الامبراطور. وكان فيها: أدهم بك دفتردار الولاية، وعصمت بك قومندان الموقع، ومحمود جلال الدين مدير المعارف، وميشال اده مدير الامور الاجنبية. ومن الاعيان: محيي الدين بيهم، حسن بيهم، رشيد الدنا، عبد الرحمن بيضون، سليم مسديه، موسى فريج، جرجي سرسق، حبيب بك السعد، والكونت دي طرازي... وغيرهم.

وأقام القباني حفلة استقبال للامبراطور والامبراطورة في الحرش، قدم لهما المرطبات ثم طافا بالحرش متنزهين.

وبلغت الزينة التي أقامتها بلدية بيروت في هذه المناسبة، حدا كبيرا من الجمال والروعة. وأنعم الامبراطور على القباني يومئذ بوسام الاحمر.

وانتقل القباني من رئاسة المجلي البلدي الى مديرية المعارف، وقدم مشروعات هامة لاصلاح المدارس ونشر الثقافة، لكن سياسة الاتراك كانت لا تميل يومئذ الى نشر الثقافة بين المسلمين، خوفا منهم، مأهملت مشاريعه ولم تنفذ.

وفي 13 آب 1908 ترك خدمة الدولة، وكان قد بلغ الستين من عمره، فأكرمته الدولة بمنحه المرتبة الاولى من الصنف الاول، والوسام المجيدي، والوسام العثماني، وكان قد منح مدالية السكة الحجازية، ومدالية وصول الخط الحجازي الى معان.

أول عربي مسلم فكر في استخراج البترول

لكن اعتزاله الصحافة، وادارات الدولة، لم تمنعه من المضي في العمل. فرغم كبر سنه كان يتوقد نشاطا. وكان واسع افاق التفكير، بعيد النظر. فألف شركة لاستخراج الحديد والبترول من أراضي سورية. وما كان أحد يومئذ يفكر في ذلك قط. ولعله كان أول عربي مسلم فكر في استخراج البترول. وقد منحته الحكومة الرخصة لذلك. لكن اضطراب الامور في الشام، واعلان الحرب العالمية الاولى، أوقفتا المشروع.

وطال بالقباني العمر، وكان عمرا هنيئا، وحافظ على صحة جيدة، وكان يعتني بما يأكل، يكثر من العسل واللوز والفستق، والخضراوات، وقل من أكل اللحم. وتوفي عام 1935 وقد قارب السابعة والثمانين، ودفن في مقبرة الباشورة.

وكان قد تزوج مرتين، والثانية كانت بعد وفاة زوجته الاولى. وأوتي من الاولاد الذكور السادة: مصطفى، ونجيب، ونور الدين، ورشدي، وعدنان وعبد الرحمن، ومن الاناث ثلاث هن السيدات: سعدية، تزوجها مصباح فتح الله، لطيفة تزوجها محمود القباني، ورئيفة تزوجها الامير فؤاد شهاب. وجميعهم في بيروت. منهم من هو في الحياة، ومنهم من انتقل الى رحمة الله، ما عدا السيد عبد الرحمن، فانه انتقل الى دمشق وآثر السكنى فيها.

هذه نبذة عن حياة السيد القباني وأعماله، توخيت فيها الانجاز، ولو توسعت لكان مقام القول واسعا.

ولا بد أن أذكر قبل الانتهاء، ان هذا الرجل لم يلق التكريم الذي يستحقه من مواطنيه المسلمين البيروتيين بعد وفاته. لقد سمت بلدية بيروت شارعا ثانويا باسم "شارع القباني"، ولم تذكر اسمه. ومن أين للاجيال الناشئة أن تعلم أي قباني هو؟

ولم تقم جمعية المقاصد الخيرية ـ التي كان اول رئيس لها، بل صاحب الفكرة الاولى في تأسيسها، كما ثبت عندنا ـ بأي ذكرى له. وقد بلغني ان بعضهم ينكرون عليه انه هو مؤسس المقاصد. وهذا عجيب. ولم أستغربه. ولم يجد من ورثته وأهله التكريم اللائق به... ولقد رأيت كتبه تباع في الطريق، وعليها اسمه، أو الاهداء اليه. وفيها نوادر، واشتريت الكثير منها. وما أدري من باعها؟ وكان حقها أن تصان في المقاصد الخيرية، أو في دار الكتب الوطنية.

ولعل صديقنا النقيب رياض طه، ينهج نهجا جديدا في نقابته، ويعمل على تكريم الصحافيين الراحلين، على اختلاف أديانهم، ولاحياء ذكراهم. ولعله يقيم للقباني حقلة تكريم بمناسبة مضي مئة عام على صدور "ثمرات الفنون" اول صحيفة عربية اسلامية صدرت في بيروت.

فان الامة التي لا تكرم رجالاتها، وتتشبه بأخلاقهم، وتستار بسيرتهم، ولا تعتني بتراثها لا بد أنها صائرة الى الانحلال والاضمحلال والهوان، ثم الزوال.

  

Last Updated on Monday, 20 September 2010 21:29